فخر الدين الرازي
389
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فلذلك وصفهم اللَّه تعالى به ونبه بقوله : وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وذلك أن المكلف إذا أقدم على المعصية فهو ما أضر إلا نفسه حيث سعى في صيرورة نفسه مستحقة للعقاب العظيم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 161 إلى 162 ] وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 161 ) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ ( 162 ) اعلم أن هذه القصة أيضاً مذكورة مع الشرح والبيان في سورة البقرة . بقي أن يقال : إن ألفاظ هذه الآية تخالف ألفاظ الآية التي في سورة البقرة من وجوه : الأول : في سورة البقرة وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ [ البقرة : 58 ] وهاهنا قال : وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ والثاني : أنه قال في سورة البقرة : فَكُلُوا بالفاء وهاهنا وَكُلُوا بالواو . والثالث : أنه قال في سورة البقرة رَغَداً وهذه الكلمة غير مذكورة في هذه السورة . والرابع : أنه قال في سورة البقرة : وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ وقال هاهنا على التقديم والتأخير . والخامس : أنه قال في البقرة نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وقال هاهنا : نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ والسادس : أنه قال في سورة البقرة : وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ وهاهنا حذف حرف الواو . والسابع : أنه قال في سورة البقرة : فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [ البقرة : 59 ] وقال هاهنا : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ والثامن : أنه قال في سورة البقرة : بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وقال هاهنا : بِما كانُوا يَظْلِمُونَ واعلم أن هذه الألفاظ متقاربة ولا منافاة بينها البتة ، ويمكن ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة . أما الأول : وهو أنه قال في سورة البقرة : ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وقال هاهنا : اسْكُنُوا فالفرق أنه لا بد من دخول القرية أولًا ، ثم سكونها ثانياً . وأما الثاني : فهو أنه تعالى قال في البقرة : ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا [ البقرة : 58 ] بالفاء . وقال هاهنا : اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا بالواو والفرق أن الدخول حالة مخصوصة ، كما يوجد بعضها ينعدم . فإنه إنما يكون داخلًا في أول دخوله ، وأما ما بعد ذلك فيكون سكوناً لا دخولًا . إذا ثبت هذا فنقول : الدخول حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار . فلا جرم يحسن ذكر فاء التعقيب بعده ، فلهذا قال : ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وأما السكون فحالة مستمرة باقية . فيكون الأكل حاصلًا معه لا عقيبه فظهر الفرق . وأما الثالث : وهو أنه ذكر في سورة البقرة رَغَداً وما ذكره هنا فالفرق الأكل عقيب دخول القرية يكون ألذ ، لأن الحاجة إلى ذلك الأكل كانت أكمل وأتم ، ولما كان ذلك الأكل ألذ لا جرم ذكر فيه قوله : رَغَداً وأما الأكل حال سكون القرية ، فالظاهر أنه لا يكون في محل الحاجة الشديدة ما لم تكن اللذة فيه متكاملة ، فلا جرم ترك قوله : رغدا فيه . وأما الرابع : وهو قوله في سورة البقرة : وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ وفي سورة الأعراف على